محمد متولي الشعراوي
11559
تفسير الشعراوي
أنفسنا ، فلما كانت بدر ، ورأى ما رأى قال : صدق الله { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] وقوله تعالى : { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ . . . } [ الروم : 60 ] الوعد : هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن ، وفَرْق بين الوعد بالخير من إنسان ، والوعد من الله تعالى ، فوَعْدكَ قد يختلف لأنك ابن أغيار ، ولا تملك كل عناصر الوفاء بالوعد ، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه ، أو تراه لا يستحق . . . إلخ . إذن : الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة ، وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدتَ . لذلك يعلمنا الحق سبحانه أنْ نحتاط لهذا الأمر ، فيقول سبحانه : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله . . . } [ الكهف : 23 - 24 ] فاربط فِعْلك بمشيئة الله التي تُيسِّر لك الفعل ، ولا ينبغي أنْ تجزم بشيء أنتَ لا تملك شيئاً من أسبابه . قلنا : هَبْ أنك قلتَ : سألقاك غداً في المكان الفلاني ، وسأعطيك كذا وكذا ، فأنت قلتَ هذه المقولة ووعدتَ هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد ، ولا تضمن أنْ يعيش صاحبك ، وإنْ عِشْتُما لغد فقد يتغير رأيك ، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء ، إذَن : فقولك إنْ شاء الله يحميك أنْ تُوصف بالكذب في حالة عدم الوفاء ؛ لأنك وعدتَ ولم يشأ الله ، فلا دخلَ لك في الأمر . فالوعد الحق يأتي ممَّنْ ؟ مِنَ الذي يملك كُلَّ أسباب الوفاء ، ولا يمنعه عنه مانع . وقوله تعالى : { وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ } [ الروم : 60 ] خف الشيء : لم يَعُدْ له ثِقَل ، واستخفّ غيره : طلب منه أنْ يكون خفيفاً ،